سيد محمد طنطاوي

168

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله « وإِلَيْه يُرْجَعُونَ » أي إليه وحده يرجع الخلق فيجازى كل مخلوق بما يستحقه من خير أو شر . ففي الجملة الكريمة تحذير من الإعراض عن دينه ، لأنه ما دام مرجع الخلق جميعا إليه - سبحانه - فعلى العاقل أن يسلم نفسه إلى خالقه اختيارا قبل أن يسلمها اضطرارا ، وأن يستجيب لأوامره ونواهيه ، حتى ينال رضاه . وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد أقامت للناس الأدلة على صدق النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأمرتهم بالدخول في دينه ، وحذرتهم من الإعراض عنه بأجلى بيان وأقوى برهان . وبعد هذا البيان الواضح والبرهان الساطع على صدق النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أمر اللَّه - تعالى - نبيه محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يعلن على الدنيا كلمة الحق التي يؤمن بها ، وأن يخبر كل من يتأتى له الخطاب بأن الدين المقبول عند اللَّه هو دين الإسلام وأن كل دين سواه فهو باطل . لأن رسالته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هي خاتمة الرسالات ودين الإسلام الذي أتى به ناسخ لكل دين سواه . استمع إلى القرآن وهو يبين ذلك فيقول : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 84 إلى 85 ] قُلْ آمَنَّا بِاللَّه وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ونَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ ( 84 ) ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 85 ) قوله « والأَسْباطِ » جمع سبط وهو الحفيد ، والمراد بهم أولاد يعقوب - عليه السلام - وكانوا اثنى عشر ولدا قال - تعالى - : « وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً » . وسموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق - عليهم السلام - . والمعنى : « قُلْ » يا محمد لأهل الكتاب الذين جادلوك بالباطل وجحدوا الحق مع علمهم به ، قل لهم ولغيرهم « آمَنَّا بِاللَّه » أي آمنت أنا وأتباعى بوجود اللَّه ووحدانيته ، واستجبنا له في كل ما أمرنا به ، أو نهانا عنه .